الشوكاني
279
فتح القدير
الرشد وأدل من قصة أصحاب الكهف ، وقد فعل الله به ذلك حيث آتاه من علم غيوب المرسلين وخبرهم ما كان أوضح في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف ، وقيل الإشارة إلى قوله ( واذكر ربك إذا نسيت أي عسى أن يهديني ربي عند هذا النسيان لشئ آخر بدل هذا المنسي ، وأقرب منه رشدا وأدنى منه خيرا ومنفعة ، والأول أولى ( ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا ) قرأ الجمهور بتنوين مائة ونصب سنين ، فيكون سنين على هذه القراءة بدلا أو عطف بيان . وقال الفراء وأبو عبيدة والزجاج والكسائي : فيه تقديم وتأخير ، والتقدير سنين ثلاثمائة . ورجح الأول أبو علي الفارسي . وقرأ حمزة والكسائي بإضافة مائة إلى سنين ، وعلى هذه القراءة تكون سنين تمييزا على وضع الجمع موضع الواحد في التمييز كقوله تعالى - بالأخسرين أعمالا - قال الفراء : ومن العرب من يضع سنين موضع سنة . قال أبو علي الفارسي : هذه الأعداد التي تضاف في المشهور إلى الآحاد نحو ثلاثمائة رجل وثوب قد تضاف إلى المجموع وفى مصحف عبد الله " ثلاثمائة سنة " . وقال الأخفش : لا تكاد العرب تقول مائة سنين . وقرأ الضحاك " ثلاثمائة سنون " بالواو . وقرأ الجمهور " تسعا " بكسر التاء . وقرأ أبو عمرو بفتحها ، وهذا إخبار من الله سبحانه بمدة لبثهم . قال ابن جرير : إن بني إسرائيل اختلفوا فيما مضى لهم من المدة بعد الإعثار عليهم ، فقال بعضهم : إنهم لبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين ، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن هذه المدة في كونهم نياما ، وأن ما بعد ذلك مجهول للبشر ، فأمر الله أن يرد علم ذلك إليه ، فقال ( قل الله أعلم بما لبثوا ) قال ابن عطية : فقوله على هذا لبثوا الأول يريد في يوم الكهف ، ولبثوا الثاني يريد بعد الإعثار عليهم إلى مدة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، أو إلى أن ماتوا . وقال بعضهم : إنه لما قال ( وازدادوا تسعا ) لم يدر الناس أهي ساعات أم أيام أم جمع أم شهور أم أعوام ، واختلف بنوا إسرائيل بحسب ذلك ، فأمر الله برد العلم إليه في التسع ، فهي على هذا مبهمة . والأول أولى ، لأن الظاهر من كلام العرب المفهوم بحسب لغتهم أن التسع أعوام ، بدليل أن العدد في هذا الكلام للسنين لا للشهور ولا للأيام ولا للساعات . وعن الزجاج أن المراد ثلاثمائة سنة شمسية وثلاثمائة وتسع سنين قمرية ، وهذا إنما يكون من الزجاج على جهة التقريب . ثم أكد سبحانه اختصاصه بعلم ما لبثوا بقوله ( له غيب السماوات والأرض ) أي ما خفى فيهما وغاب من أحوالهما ليس لغيره من ذلك شئ ، ثم زاد في المبالغة والتأكيد فجاء بما يدل على التعجب من إدراكه للمبصرات والمسموعات فقال ( أبصر به وأسمع ) فأفاد هذا التعجب على أن شأنه سبحانه في علمه بالمبصرات والمسموعات خارج عما عليه إدراك المدركين ، وأنه يستوي في علمه الغائب والحاضر ، والخفي والظاهر ، والصغير والكبير ، واللطيف والكثيف ، وكأن أصله ما أبصره وما أسمعه ، ثم نقل إلى صيغة الأمر للإنشاء ، والباء زائدة عند سيبويه وخالفه الأخفش ، والبحث مقرر في علم النحو ( ما لهم من دونه من ولى ) الضمير لأهل السماوات والأرض ، وقيل لأهل الكهف ، وقيل لمعاصري محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الكفار : أي مالهم من موال يواليهم أو يتولى أمورهم أو ينصرهم ، وفى هذا بيان لغاية قدرته وأن الكل تحت قهره ( ولا يشرك في حكمه أحدا ) قرأ الجمهور برفع الكاف على الخبر عن الله سبحانه . وقرأ ابن عباس والحسن وأبو رجاء وقتادة بالتاء الفوقية وإسكان الكاف على أنه نهى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعل لله شريكا في حكمه ، ورويت هذه القراءة عن ابن عامر . وقرأ مجاهد بالتحتية والجزم . قال يعقوب :